فوزي آل سيف
66
إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب
أبو طالب المؤمن المحامي روي عن سيدنا ومولانا أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق أنه قال: نزل جبرائيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله، فقال: «يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول: إني قد حرمت النار على صُلبٍ أنزلك، وبطنٍ حملك، وحجرٍ كفلك. فالصلب صلب أبيك عبدالله، والبطن الذي حملك فآمنة بنت وهب، وأما حجر كفلك فحجر أبي طالب»[122]. عندما نتناول هذه الشخصية العظيمة بالحديث، نستحضر قضية مهمة وهي: أن فعل الإنسان للخير وقيامه بالعمل الصالح، لا يمكن أن يبقى خفيًا للأبد، فالله عز وجل قد تكفل بنشر العمل الصالح ورفعه إليه وقد أخبر الله سبحانه عن ذلك بقوله تعالى {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}[123]، وورد في حديث قدسي ما معناه: «يا ابن آدم عملك الصالح أنت تخفيه وعليَّ إظهاره»، فلا تتصور أخي المؤمن أنك عندما تقوم بعمل خيرٍ، وفعلٍ حسن بأن هذا العمل لا أثر له، ولا نتيجة! كلا وأن ما يقوله البعض «اعمل الخير وارمه في البحر، لا بل اعمل الخير ولن يذهب إلى البحر، وإنما هو بذرٌ وزرعٌ، وإذا لم يثمر اليوم أمام عينيك أثمر في جيل أبنائك، وفي جيل أحفادك وفي أجيالٍ أخرى، هذه طبيعة العمل الصالح؛ أنه يرتفع، فالعمل الصالح يرفعه الله، العمل الصالح مثل البالون إذا امتلأ بالهواء، طبيعته أن يصعد إلى الفضاء، لا يمكن أن يبقى بالأسفل، العمل الصالح طبيعته الإثمار. يقول الله تعالى {ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ 24 تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ 25}[124] لقد كان إيمان أبي طالب، حمايته للنبي صلى الله عليه واله، ودفاعه عن الدعوة، هذه كلها وإن كانت في وقتٍ من الأوقات خفيةً إلا أنها لا تلبث أن تظهر، وذلك العطر لا بد أن ينتشر. متى طرحت قضية عدم إيمان أبي طالب؟ لم تكن قضية ايمان أبي طالب محل نقاش أيام رسول الله صلى الله عليه وآله، أو زمان الخلفاء الثلاثة بعد النبي صلى الله عليه وآله، ويظهر أن أول فكرة وتشكيك في إيمانه كان في زمان أمير المؤمنين عليه السلام، بالرغم من أنه كان يفتخر بوالده ويقرع معاوية بالقول أن أباه أبا طالب هو خير من أبي سفيان وأن هذا لا يمكن أن يكون مع أبي طالب في كفة المقايسة كما قال ذلك في خطاب منه لمعاوية بن أبي سفيان «..وأما قولك أنا بنو عبد مناف، وليس لبعضنا على بعض فضل، فليس كذلك، لأن أمية ليس كهاشم، ولا حرباً كعبد المطلب، ولا أبا سفيان كأبي طالب، ولا المهاجر كالطليق، وفي أيدينا فضل النبوة التي بها قتلنا العزيز، ودان لنا بها الذليل».[125]
--> 125 ابن قتيبة الدينوري، الأخبار الطوال١٨٧، والزمخشري، ربيع الأبرار ونصوص الأخبار٤/٢١٦والشريف الرضي، نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام (تحقيق صبحي الصالح)، ص ٣٧٥ 122 ذكره الشيخ الكليني في الكافي (مُشَكَّل)١/٤٩٤، والشيخ الصدوق في الأمالي/ 703 123 سورة فاطر: 10 124 سورة إبراهيم آية 24-25